السيد محمد حسين فضل الله
30
من وحي القرآن
القضاء على المسافر والمريض ، وأن اللّه أراد من خلال ذلك بناء أمر الإنسان في ما يفعله وفي ما يتركه على أساس التيسير ، لأن اللّه قد أرسل نبيّه بالشريعة السهلة السمحة . وقد حاول البعض أن يستفيدوا من هذه الفقرة من الآية أن الإفطار في السفر رخصة لا عزيمة ، ولكن لا دليل لهم في ذلك لأنه يمكن أن يكون اليسر في إسقاط الصوم عنهم ، وإن كان ذلك إلزاميا . وربما يستفاد من هذه الآية قاعدة فقهية حاكمة على أدلّة الأحكام العامة وهي قاعدة « اليسر » أو « لا حرج » ، فهي دالة على أن اللّه يريد - في كل تشريعاته - أن ييسر للناس حياتهم في ما يفعلون وفي ما يتركون ، مما يوحي بأن كل حكم يوقع الناس في العسر فهو غير مجعول في الشريعة ، حتى لو كان الدليل الدال عليه يدلّ على ذلك بإطلاقه وعمومه . وهذا هو الأساس في فتاوى الفقهاء في انتقال الإنسان من حالة في الصلاة إلى حالة أخرى حيث يرفع الإلزام عن الحالة المستلزمة للمشقة والعسر كالقيام بالنسبة إلى الجلوس ، والوضوء بالنسبة إلى التيمم ونحو ذلك . وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ في صيام الأيام التي فاتت المكلّف في شهر رمضان ، ليكمل له بذلك الصيام الذي فرضه عليه . وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ فسّره المفسرون بالتكبيرات التي يكبّرها المصلون في صلاة العيد ، ولعل الظاهر أنها تعليل للتشريع العبادي في الصوم الذي يوحي بالتذلل ، والخضوع ، والانقياد ، والوعي الروحي للربوبية الشاملة والألوهية العظيمة في موقع العظمة والكبرياء ، وعلى هدايته لدينه الذي به يعرف ربه في توحيده ، وقدرته ، وكل مواقع العظمة عنده ، ليحسّ الإنسان بأن اللّه هو كل شيء في وجوده وفي حركته ، ولا شيء لأيّ مخلوق إلا من خلاله ، فهو الذي يمنحهم القوة والعظمة والغنى والسعة في حياتهم ، ولا يملكون ، في ذواتهم ، نفعا ولا ضرا . . . وهذا ما يجعل المؤمن واعيا لمقام ربه ، ومنفتحا على مسئوليته في توحيده في العبادة والطاعة ، فيكبّر اللّه على ذلك كله ، في روحه وعقله